فخر الدين الرازي
123
القضاء والقدر
صفات الكمال والجلال . فجواز دعوة اللّه بهذا الاسم ينافي ما دل عليه قوله : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها . فثبت بهذه الوجوه الثلاثة : أنه تعالى لا يطلق عليه اسم الشيء ، فلم يلزم كون هذه الآية مخصوصة . قالوا : وليس لكم أن تقولوا : الدليل على أنه تعالى مسمى بالشيء . قوله تعالى : قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ : أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ قُلِ : اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ « 1 » وأيضا : قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 2 » استثنى وجهه عن الشيء . والمستثنى يجب أن يكون داخلا تحت المستثنى منه . قالوا : لأن قوله تعالى : قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ : أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ سؤال وجوابه : ما جاء في قوله : قُلِ : اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فإنها جملة تامة مستقلة بنفسها ، لا تعلق لها بما قبلها . فلم تدل هذه الآية على أنه تعالى مسمى بالشيء . أما قوله : « كل شيء هالك إلا وجهه » فظاهر هذه الآية يقتضي أن يصير كل شيء هالكا إلا وجه اللّه . وذلك محال . لأن الوجه هو العضو المخصوص ، وذلك على اللّه محال . ولأن بتقدير أن يكون جسما ، فظاهر الآية يقتضي أنه بقي ، ولا يبقى منه إلا الوجه . وذلك محال . فثبت : أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، فلا بد من تأويلها ، وذلك التأويل ما نقل عن ابن عباس « 3 » أنه قال : « إلا وجهه » معناه : « إلا العمل الذي يؤتى به لمرضاة اللّه تعالى » وعلى هذا التقدير ، فيكون المراد بوجه اللّه : تلك الأعمال . وحينئذ لا تدل الآية على وقوع اسم الشيء على اللّه تعالى . المقام الثاني : لو سلمنا أنه تعالى مسمى باسم الشيء ، إلا أنه تعالى لما حكم بكونه خالقا لكل شيء . كان هذا تصريحا بأن المراد : كونه خالقا ، لكل ما عداه ، من الأشياء ، لما ثبت أن المخاطب ، لا يندرج تحت الخطاب في أمثال هذه الألفاظ « 4 » .
--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 19 . ( 2 ) سورة القصص الآية 88 . ( 3 ) أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ( كل شيء هالك إلا وجهه ) إلا ما يريد به وجهه . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي اللّه عنه نحوه ( الدر المنثور 5 / 140 ) . ( 4 ) من المواضيع التي بحثها علماء أصول الفقه : هل يدخل المخاطب تحت عموم الخطاب ؟ فقال جمهورهم بدخوله واندراجه تحت الخطاب العام . وقال قوم بأنه لا يندرج وبعضهم فصل فقال بدخوله في الخبر لا في الأمر . وقال قوم بأن العبرة في القرائن . وقالوا إن قوله تعالى اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يدل على امتناع دخول المخاطب تحت عموم الخطاب . لعدم تناول معنى الخلق له أصلا . راجع المحصول للرازي 1 / 452 ؛ المستصفى للغزالي ( 2 / 88 - 89 ) ؛ والبرهان لإمام الحرمين الجويني ( 1 / 362 ) ؛ والتحصيل من المحصول للأرموي 1 / 404 ؛ ونهاية السئول للأسنوي وهو شرح منهاج الوصول للبيضاوي ( 2 / 372 ) . المنخول للغزالي 143 ؛ التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي ( ص 346 ) ؛ والاحكام في -